.مقاربة العنف ضد المرأة من زاوية القانون الجنائي

تعتبر ظاهرة العنف ضد المرأة، ظاهرة عالمية تعاني منها المرأة في كل مكان وأينما كانت، فهي قديمة قدم الإنسان الذي ارتبط ومازال يرتبط بروابط اجتماعية مع الوسط الذي يؤثر فيه ويتأثر به، بحيث يمكن أن يتم تعريف العنف ضد المرأة بمثابة سلوك عنيف متعمد وموجه نحو المرأة، و يمكنه أن يأخذ عدة أشكال سواء كانت معنوية أو جسدية أو نفسية أو اقتصادية، وبحسب تعريف منظمة الأمم المتحدة يقصد بالعنف ضد المرأة هو ذلك السلوك الممارس ضد المرأة والمدفوع بالعصبية الجنسية، مما يؤدي إلى معاناة وأذى يلحق المرأة في الجوانب الجسدية والنفسية والجنسية.

قد يتخد العنف الموجه ضد المرأة عديد الأشكال والصور، لعل من أبرزها : الإساءة الجسدية/ الإساءة العاطفية/ الإعتداء الجنسي/ التعنيف النفسي/ الإعتداء الإقتصادي/ العنف الروحي/ الإساءة الثقافية/ العنف اللفظي/ الإهمال.

هنا وبالرجوع إلى الإحصائيات الصادرة حول ظاهرة العنف ضد النساء نجد على أن منظمة الصحة العالمية، وكلية الطب وطب المناطق المدارية في لندن، ومجلس البحوث الطبية في جنوب إفريقيا توصلوا إلى أن أكثر: من 35% من نساء العالم تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي على يد أحد الأقرباء، في حين تعرضت 30% من نساء العالم للعنف الجسدي على يد شريكهم في العلاقة، و38% من جرائم قتل النساء في العالم كانت على يد الرجال الذين كانت تربطهم بهن علاقة.

أما على مستوى المغرب بلغ معدل انتشار العنف ضد النساء بنسبة 54.4 % وفق  نتائج رسمية، وقد سجلت أعلى النسب وسط النساء المتزوجات، وتتخذ الإنتهاكات المرتكبة في حقهن أشكالا مختلفة أكثرها انتشارا هو العنف النفسي يليه العنف الإقتصادي والجسدي والجنسي، في المقابل يعزف أكثر من 90% من الضحايا عن تقديم شكاوى ضد مقترفي أفعال العنف في حقهن.

إن آفة العنف ضد المرأة تجد لها سندا حمائياا و مجرما ضمن المرجعية الدولية، و ذلك استنادا إلى مجموعة من المواثيق الدولية التي تؤطر هذه الظاهرة وتضمن حماية قانونية لها، و لعل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) من أهم الإتفاقيات الدولية التي نظمت حقوق المرأة وأولت اهتماما خاصا  لقضية العنف ضد المرأة، وهي الاتفاقية الوحيدة على مستوى العالم التي  تعالج مجمل الحقوق المتعلقة بالمرأة، كما تعترف بأن العنف يعتبر تمييزا موجها نحو المرأة وضدها،  أيضا هناك البروتوكول الإختياري لإتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعتمد  من طرف اللأمم المتحدة سنة 1999، وذلك من أجل تمكين النساء من تقديم شكاوى عند انتهاك حق من الحقوق الواردة في البروتوكول، واعتبرت يوم 25 نونبر اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة.

إضافة إلى اتفاقية مجلس أوروبا لعام 2011  بشأن منع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي، والتي تعد ثاني صك إقليمي ملزم قانونا بشأن العنف ضد النساء والفتيات، وتركز على منع العنف المنزلي، وحماية الضحايا، ومحاكمة المجرمين المتهمين، وتصف الاتفاقية العنف ضد المرأة، بأنه انتهاك لحقوق الإنسان وبشكل من التمييز، وعلاوة على ذلك وضعت الاتفاقية مجموعة من الجرائم التي تتسم بكونها عنف ضد المرأة، وعلى الدول التي صادقت على الاتفاقية تجريم عدة جرائم منها: العنف النفسي، الجسدي، الجنسي، و الترصد……

هنا وفي إطار التعديلات التي شهدها المغرب، خصوصا منذ صدور دستور المملكة بتاريخ 1 يوليوز 2011، خصص المشرع الدستوري مقتضيات  مهمة في صلب الوثيقة الدستورية لحماية مفهوم حقوق الإنسان عامة وحقوق النساء بشكل خاص، حيث أقر في الفصل 19 مبدأ المساواة بين الجنسين والمناصفة في جميع الحقوق، وإحداث هيئة لمكافحة كافة أشكال التمييز، بالإضافة إلى أن الفصل 22 من الدستور نص على عدم جواز المساس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص في أي ظرف ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة…..

انطلاقا من كل ماسبق تعززت اليوم الترسانة التشريعية الجنائية بقانون جديد رقم 103.13  المتعلق  بمحاربة العنف ضد النساء، حيث أصبح للمغرب إطارا قانونيا شاملا وخاصا بمحاربة العنف ضد المرأة في كل أشكاله، ويهدف هذا القانون الذي دخل حيز التنفيذ في شتنبر 2018 إلى توفير الحماية القانونية للنساء ضحايا العنف، من خلال أربعة أبعاد، هي البعد الوقائي والحمائي والزجري والتكفلي.

و من جملة الحسنات التي تحسب للقانون 103.13 أنه في مادته الأولى جاء بتعريف صريح وواضح لمفهوم العنف ضد المرأة باعتباره « كل فعل مادي أو معنوي أو امتناع أساسه التمييز بسبب الجنس، يترتب عليه ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة ».

ليأتي بعد ذلك بتعريف دقيق ومفصل لمفهوم العنف الجسدي والذي يعتبر « كل فعل أو امتناع يمس أو من شأنه المساس، بالسلامة الجسدية للمرأة، أيا كان مرتكبه أو وسيلة أو مكان ارتكابه »، أما بخصوص العنف الجنسي اعتبره « كل قول أو فعل أو استغلال من شأنه المساس بحرمة جسد امرأة لأغراض جنسية أو تجارية، أيا كانت الوسيلة المستعملة في ذلك »، ويعرف العنف النفسي بأنه « كل اعتدء لفظي أو إكراه أو تهديد أو إهمال أو حرمان، سواء كان بغرض المس بكرامة المرأة وحريته وطمأنينتها، أو بغرض تخويفها أو ترهيبها »، لينهي المادة الأولى بتعريف العنف الإقتصادي « على أنه كل فعل أو امتناع عن فعل ذي طبيعة اقتصادية أو مالية يضر أو من شأنه أن يضر بالحقوق الإجتماعية أو الإقتصادية للمرأة ».

هذا القانون تضمن مجموعة من الأحكام المغيرة والمتممة لمجموعة القانون الجنائي يمكن تلخيصها كالتالي:

  •  تشديد عقوبة الضرب أو الجرح أو غيرهما من العنف أو الإيذاء إذا ارتكب ضد المرأة بسبب جنسها/ إذا كانت حاملا/ إذا كان حملها بين/ إذا كانت من ذوي الاحتياجات الخاصة/ أو تعاني من ضعف عقلي…
  • ü     إضافة تدابير وقائية جديدة للترسانة الجنائية من قبيل:

منع المحكوم عليه من الاتصال بالضحية.

إخضاع المحكوم عليه لعلاج نفسي ملائم.

  •  رفع الحد الأقصى للعقوبة المنصوص عليها  في الفصل 503-1 المتعلق بالتحرش الجنسي إلى 3 سنوات حبسا و تشديد العقوبة إن تم ممارسة التحرش داخل مقر العمل.
  • ü  تجريم الطرد من بيت الزوجية، وإسناد الإختصاص للمحاكم التي يقيم بدائرتها الشخص المطرود من بيت الزوجية للنظر في الدعاوى المرفوعة تنفيذا لمقتضيات الفصول 479، 480، 480-1 من القانون الجنائي، وذلك إلى جانب قواعد الإختصاص المعمول بها.
  • ü   رفع أجل الإعذار المنصوص عليه في الفصل 481 من 15 يوما إلى 30 يوما.
  • ü  معاقبة السب المرتكب ضد المرأة بسبب جنسها بغرامة مالية من 1200  إلى 6000 درهم.
  • ü  معاقبة القدف المرتكب ضد المرأة بسبب جنسها بغرامة مالية من 1200 إلى 2000 درهم.
  • ü  تجريم ومعاقبة الإكراه على الزواج مع وقف المتابعة على شكاية المتضرر من الجريمة.
  • ü  تبديد أو تفويت أحد الزوجين لممتلكاته بسوء نية إضرارا بالأسرة أو من أجل التحايل على الإلتزامات المالية للزوج كما هي محددة في مدونة الأسرة، وربط المتابعة بتقديم شكاية من الزوج المتضرر.
  • ü  إضافة إلى أن هذا القانون تضمن مجموعة من الأحكام المغيرة والمتممة للقانون رقم 22.01 المتعلق بقانون المسطرة الجنائية، وفق مايلي:
  • ü  إمكانية جعل الجلسة سرية إذا تعلق الأمر بقضية عنف أو اعتداء جنسي ضد المرأة أو القاصر، وذلك بناء على طلب الضحية.
  • تعليق حق الجمعيات في الانتصاب كطرف مدني، على الحصول  على إذن كتابي من الضحية.
  • ü  إضافة إلى تدابير حمائية جديدة تتمثل في:
  • إحالة الضحية على مراكز الإستشفاء قصد العلاج.
  • الأمر بالإيداع بمؤسسات الإيواء أو مؤسسات الرعاية الإجتماعية للمرأة المعنفة التي ترغب في ذلك.

ومن المستجدات التي أتى بها هذا القانون، هو إحداث خلايا التكفل بالنساء ضحايا العنف، حيث تضطلع هذه الخلايا بمهام الإستقبال والإستماع والدعم والتوجيه والمرافقة لفائدة النساء ضحايا العنف، وتتكون الخلايا المحدثة على مستوى المحاكم الإبتدائية ومحاكم الإستئناف من نائب وكيل الملك وقاضي الأحداث والمساعد أو المساعدة الإجتماعية إضافة لممثلي الإدارة.

كما تم إحداث لجنة وطنية بمقتضى هذا القانون أشرف السيد رئيس الحكومة على تنصيبها يوم الخميس 5 شتنبر 2019، تترأسها الأستاذة القاضية زهور الحر، كما أنه هناك لجن جهوية ومحلية، تعنى بمجموعة من الأدوار المنصوص عليها في ظاهر القانون رقم 103.13.

إن ظاهرة العنف ضد النساء التي استوطنت بداخل العديد من المجتمعات الراقية والمتقدمة، ينبغي أن يتم النظر إليها ومقاربتها انطلاقا من القطيعة و دحر الثقافة القائمة على تهميش المرأة والإساءة لها، الشيء الذي لا يمكن القيام به إلا عبر خطط تنموية تشاركية، تساهم فيها المؤسسات الرسمية الفاعلة، إضافة إلى تفعيل القوانين الخاصة بحفظ حقوق المرأة، سواء على صعيد الأسرة، أو على صعيد العمل، وكذلك إعمال مختلف الآليات والوسائل لتكريس مفهوم الأمن القانوني .وتسهيل الولوج إلى المعلومة القانونية لتحقيق وعي قانوني على مستوى جميع شرائح المجتمع

نبذة عن صاحب المقال

إسماعيل بوكيلي مخوخي.

طالب باحث بسلك الدكتوراه مختبر القانون، الفلسفة، المجتمع، بنية البحث قانون الأعمال و العدالة البديلة بكلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الإجتماعية جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

عضو بالعيادة القانونية بكلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الإجتماعية جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس.

ismail.boukilimakhoukhi@usmba.ac.ma

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Photo Google

Vous commentez à l’aide de votre compte Google. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :