Catégories
Uncategorized

« نجاعة الحكامة عبر تبني النظرية المؤسساتية للتنمية »

إن من الشروط المؤسساتية التي أصبحت ضرورية لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية، حكومة بدور محدود في الاقتصاد، بيروقراطية غير فاسدة، نظام قانوني يحمي الملكية ويلزم تنفيذ العقود، ضرائب معتدلة، وضبط معتدل للنشاط الاقتصادي. (1)

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم جودة الحكامة الذي يشير إلى نوعية الطريقة التي تدير بها السلطات الاقتصادية والسياسية والإدارية الشؤون العامة للبلاد على جميع المستويات، وهي تتعلق بالطريقة التي تسمح للحكومة والقطاع الخاص والمواطنين بالدفاع عن مصالحهم ومعالجة الاختلافات بينهم وممارسة حقوقهم والتزاماتهم، إنها تتعلق بإدارة موارد البلد للتجاوب مع المشاكل المشتركة. (2)

وقد تبنت المنظمات الدولية الكبرى في العقد الأخير، كصندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، النظرية المؤسساتية للتنمية، التي تدعو الدول النامية أو الانتقالية إلى تفعيل فكرة المؤسسات الجيدة للاقتصاد والإدارة، أي المؤسسات المفيدة والملائمة للتنمية والنمو الاقتصادي. (3)

فلقد أشيع في الأدبيات المؤسساتية المهتمة بالعلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مفهوم الحكامة الجيدة، الذي يعتبر صيغة للحديث عن النظرية المؤسساتية للتنمية، إضافة للمؤسسات والهيئات التي أسست تحت ظل هذه النظرية، إضافة لكثير من القوانين والاجراءات التي زامنت هذا التأسيس.

وتقاس الحكامة بجملة من المؤشرات كنوعية النظام السياسي، ومدى حكم القانون، ومؤشر الفساد، ومؤشر المساءلة والشفافية، فانتشار حكم القانون يعتبر مؤشرا قويا على مستوى التقدم الاقتصادي، كما أن محاربة الفساد يعتبر مؤشرا مهما لقياس جودة الحكامة حيث إنه متغير قوي في تفسير النمو الاقتصادي. (4) وتذهب أبحاث أخرى في إطار المدرسة المؤسساتية في النمو الاقتصادي، إلى البرهنة على وجود علاقة بين نجاعة الحكامة ومؤشر الدخل القومي، أي أن البلدان ذات الدخل العالي تتمتع بنوعية جيدة للحكامة. (5)

وفي السياق المغربي، سمحت الإصلاحات المتعددة الأبعاد التي قادتها المملكة خلال العقدين الأخيرين، مدفوعة بالإصلاح الدستوري لعام 2011، بتسجيل تقدم في مجال ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، مما يجعل المغرب نموذجا إقليميا، غير أن هذه التطورات المشجعة لا ينبغي أن تحجب عن الأنظار عددا من التحديات الهامة التي ينبغي على المغرب رفعها من أجل تعبئة إمكانات تنميته المؤسساتية بالكامل. وتجدر الإشارة إلى أن هذه التحديات قد تم إبرازها في التقارير التي أعدتها بعض المؤسسات الدولية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي…) والوطنية (المجلس لاجتماعي والاقتصادي والبيئي، المجلس الأعلى للحسابات…) حيث إن رفع هذه التحديات سيمكن من توسيع التطلعات التنموية للمغرب وسيسمح له بتبوء مكانة مواتية بين الأمم. (6) وقد أضحت مسألة الحكامة المؤسساتية موضوع وعي جماعي مشترك سواء لدى المؤسسات العمومية أو الجماعات الترابية أو الأحزاب السياسية ومختلف مكونات المجتمع المدني المنظم،  وتعزى أهمية مسألة الحكامة المؤسساتية في كونها تؤثر تأثيرا مباشرا على مستوى ثقة المواطن في المؤسسات الدستورية للدولة وعلى مصداقيتها وسمعتها، خاصة في الوقت الراهن الذي تعددت فيه التوترات الاجتماعية ومؤشرات استياء المواطنين من الخدمات الاجتماعية والاقتصادية المقدمة من مؤسسات الدولة لمرتفقيها، وذلك نتاج سرعة تداول المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي هذا الصدد، واسترشادا بالممارسات الفضلى والتجارب الدولية التي جرت مراكمتها في هذا المجال « منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (7) والمفوضية الأوروبية (8) »، يتبين أن جهود المغرب ينبغي أن ترتكز عموما على ستة مبادئ كبرى، يتعين أن تتقيد بها جميع مؤسسات البلاد، ألا وهي: الشفافية، المشاركة، عدم التمييز، المسؤولية والمحاسبة، الفعالية، الانسجام. (9)

ولوضع منظومة ناجعة لحكامة المؤسسات والسياسات العمومية، ينبغي العمل بشكل معمق على ترشيد وتعزيز الهندسة المؤسساتية للمغرب، حيث يتطلب الأمر تحديد وإقرار كيفيات توزيع السلط والمسؤوليات بين المؤسسات الوطنية والمؤسسات الجهوية والترابية، وبين الهيئات التمثيلية والهيئات الإدارية والهيئات الاستشارية والتشاركية، وبين مهام الهيئات والمؤسسات العمومية. ويمكن أن يتم إنجاز كل هذا حسب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بالمرور عبر هذه المداخل السبعة:

  • تفعيل أحكام الدستور المتعلقة بالحكامة المسؤولة؛
  • تعزيز فعالية أداء المؤسسات العمومية؛
  • ضمان الانسجام بين السياسات العمومية؛
  • تعزيز اعتماد المقاربة التشاركية؛
  • اعتماد المؤسسات العمومية لنمط التدبير المبني على النتائج؛
  • تجويد نجاعة النفقات العمومية وأداء الإدارة في إطار الجهوية؛
  • جعل التواصل المؤسساتي رافعة للتغيير. (10)

إن بناء حكامة جيدة ذات نجاعة وفعالية، يتطلب المرور إلى حكامة ديموقراطية، وهذا يتطلب صياغة إستراتيجية محكمة للتنمية المؤسساتية الشاملة، على غرار الإستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة (11)، هذه الاستراتيجية التي حملت في طياتها مجموعة من الرؤى والرهانات، لكنها اقتصرت حصرا على وضع رؤية للانتقال التدريجي نحو الاقتصاد الأخضر، والعمل على ضمان التنمية البشرية والتماسك الاجتماعي، وكذا تعزيز التنافسية الاقتصادية. (12) وهذا يعتبر غير كافي لتحقيق حكامة مؤسساتية شاملة تطال جميع القطاعات.

لقد اتضح من خلال التجارب السابقة، التي راكمناها في تشييد مجموعة من ألاستراتيجيات والمخططات والإصلاحات، أن عملية التشييد هذه، تواجه أليات وتمظهرات للهدم في مقدمتها الفساد، فكما أوضح الأستاذ أحمد مفيد في إحدى مداخلاته، « أن دولة القانون التي تقوم على أساس وجود دساتير ديمقراطية تتضمن فصل السلط، وقواعد الديمقراطية، وسيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان، والرقابة القضائية على كل أعمال السلطات العمومية… لا يمكن أن تقوم في ظل انتشار الفساد… وفي سياق بناء دولة القانون وتدعيم المسار الديمقراطي بالمغرب، قامت الدولة المغربية بعدة إصلاحات على المستويات الدستورية والقانونية والسياسية والحقوقية والمؤسساتية…، كما اتخذت العديد من المبادرات المتعلقة بمحاربة الفساد… ولكن على الرغم من كل ما تم القيام به، فالواقع بلغة الأرقام واعتمادا على الكثير من المؤشرات الواردة في تقارير وطنية ودولية، يؤكد بأن الفساد مازال مستشريا بشكل كبير، وبأن أكبر تحدي ينبغي رفعه هو تحدي القضاء على الفساد. » (13)

—————————–

  1. راجعي محمد، الدين وجودة الحكامة، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ص.3.
  2. Misuraca, G, C. 2007. E-Governance in Africa: from Theory to Action. Ottawa: Africa World Press, p.11.
  3. La Porta, R. Lopez de Silanes, F. Sheifer, A. and Vishney, R. 1999.  The Quality of Government. Journal of Law and Economics and Organizations. Vol.15 No.2, p. 222.
  4. Seldadyo, H. Nugroho, E, P, and De hann, J. 2007. Governance and Growth revisited. KYKLOS. Vol.60, No.2 p. 279.
  5. Kaufmann, D. Kraay, A. 2002. Governance matters III: Governance indicators for 1996-2002, World Bank, Policy Research Working Paper, No.3106.
  6. الحكامة، الجودة المؤسساتية والتنمية الاقتصادية: ما هي الدروس التي استخلصها المغرب؟ ص.4، أبريل 2018، المملكة المغربية، وزارة الاقتصاد والمالية، مندوبية الدراسات والتوقعات المالية.
  7. OECD (2014), The Governance of regulators – OCED best practice – Principles for regulatory policies.
  8. Commission européenne (2001), Livre Blan – Gouvernance européenne.
  9. المقاربة النيابية للنموذج التنموي الجديد للمملكة المغربية، تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إحالة رقم 2019/24، ص.42.
  10. المقاربة النيابية للنموذج التنموي الجديد للمملكة المغربية، م.س، ص.43.
  11. قامت كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة بالتعاون مع مختلف القطاعات الوزارية والفاعلين الاقتصاديين بإعداد مشروع هذه الإستراتيجية
  12. ورقة حول تنفيذ الإستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، ص.7، المملكة المغربية، 2019.
  13. أحمد مفيد، سياسات وآليات مكافحة الفساد في المنطقة العربية – حالة المغرب، ص.1، كلية الحقوق، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، المغرب.
عبد الله العبودي، طالب في سلك الماستر تخصص الدستور والحكامة المالية، مساعد قانوني في العيادة القانونية لكلية الحقوق – فاس وخريج فوجها الثاني.

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s