Catégories
Uncategorized

الاغتصاب الزوجي: اغتصاب فوق القانون

يعتبر الجنس غريزة طبيعية في كل الكائنات وأساسا لتكاثرها واستمرارها، ولأن الكائن البشري تميز عن باقي الكائنات بهبة العقل، فقد قنن الجنس على مدار السنين، فكان أرقى مظاهر تقنينه هو الزواج، فصار للجنس ضوابط وأخلاق وأصبح الرضي أهم ركن لشرعيته، فإن سقط الرضى تحققت جريمة الاغتصاب.

وقد عُرِّف الاغتصاب على أنه شكل من أشكال الاعتداء الجنسي، ويشمل الجماع غير المشروع مع شخص ضد إرادته أو موافقته. وقد ذهب المشرع المغربي في نفس الاتجاه في تعريفه للاغتصاب حيث عرفه في الفصل 486 من القانون الجنائي على انه مواقعة رجل لامرأة دون رضاها، وعاقب عليه بالسجن من خمس إلى عشر سنوات.

لكن تجريم الاغتصاب يطرح إشكالا حين يتم ارتكابه في إطار عَلاقة شرعية تتمثل في الزواج، فيأخذ آنذاك القاضي موقف المشاهد الذي لا يتجرأ على تنزيل مقتضيات القانون الجنائي الذي لا يميز بين الأزواج والعزاب، الذي جعل من جريمة الاغتصاب جريمة عامة لا تخص فئة دون الأخرى، فهي تتحقق بسقوط شرط الرضى في عَلاقة جنسية بين رجل وامرأة عمومًا.

في المغرب يعتبر الاغتصاب الزوجي « تابو » لا يجب الحديث عنه، فتعاني النساء ضحايا هذا الاغتصاب من الوصم الاجتماعي الذي يلاحقهن بمجرد البوح بمعاناتهن، الشيء الذي نتج عنه غياب إحصائيات أو أرقام رسمية ترصد العنف الجنسي أو الاغتصاب الزوجي بفعل الموروث الثقافي و الاجتماعي، ما يعتبر حاجزا أمامهن يحد من القدرة على كسر جدار الصمت من خلال غياب ثقافة البوح للعائلة أو التشكي لدى الجهات المختصة قانونا، رغم الجهود الجبارة التي يقوم بها الحقوقيون و المجتمع المدني في سبيل كشف و إزالة الستار عن هذا العنف الممارس على المرأة الذي يبقى لوحده غير كافي لإيجاد حل حقيقي لهذا المشكل الحقوقي.

وعلى الصعيد الدَّوْليّ، صدر تقرير عن منظمة الصحة العالمية في سنة 2013 أوردت فيه أن واحدة من كل عشر نساء متزوجات حول العالم تعرضن للاغتصاب الزوجي، وهو رَقْم مهول يدق ناقوس الخطر للحد من هذه الظاهرة الجرمية.

إن المشرع الفرنسي، الذي يعتبر ملهما للمشرع المغربي خصوصا في المادة الجنائية، قد عاقب على هذا النوع من الاعتداء الجنسي بل جعل منه ظرف تشديد وذلك في الفصل 222-22 من القانون الجنائي حيث بلغت فيه العقوبة 20 سنة، وقد حدد المشرع الفرنسي لقيام هذه الجريمة وجود عَلاقة جنسية مع الزوج وكذا أن تكون العَلاقة الجنسية قد وقعت بالإكراه سواء الجسدي أو المعنوي. حتى وإن كان موضوع إثبات هذه الجريمة صعبا للغاية حيث يتم اللجوء للخبرة الطبية أو الشهود … فمجرد الاعتراف بها هو خطوة لمحاربتها.

لكن القضاء المغربي حتى بوجود نص قانوني صريح يجرم الاغتصاب دون تحديدٍ لنوعية العَلاقة بين مرتكب جريمة الاغتصاب وضحيتها، يتحاشى الإقرار ومعاقبة مرتكبي هذه الجريمة. ولأن القاعدة القانونية قاعدة عامة، وإن استثنينا هنا قاعدة العام يقيد الخاص لعدم وجود نص خاص يستثني الاغتصاب الزوجي من مقتضيات الفصل 486، فالأصح تطبيق هذا الفصل. ليطرح هذا عدة أسئلة، لما لا يتم تطبيق مقتضيات الفصل 486 في هذه الجريمة؟ ولما لا تتم حماية إرادة الزوجة في العَلاقة الجنسية؟

من بين المشاكل التي يواجهها تجريم الاغتصاب الزوجي، نجد هنالك إشكالية صعوبة الإثبات، فإثبات هذه الجريمة التي ترتكب في أماكن مغلقة وفي لحظات خاصة صعب. لكن رغم كل ذلك فإن صعوبة إثبات هذه الجريمة لا يعني التغاضي عنها، بل إن هذه الصعوبة تطال جريمة الاغتصاب عمومًا. أمام هذا الوضع يمكن الاستعانة بالشواهد الطبية التي تبين حجم الضرر الجسدي وشواهد نفسية تشهد على الصدمات التي تؤثر على الزوجات. وهو ما أخذت به محكمة الاستئناف بطنجة في القرار رَقْم 232 الصادر بتاريخ 09/04/2019 في مِلَفّ عدد 203/2612/2019 حيث أدلت الزوجة بشهادة طبية تثبت إصابتها بتمزق مهبلي نتج عن عَلاقة جنسية عنيفة، لكن المحكمة رأت أيضا أن المتهم يستحق ظروف التخفيف طبقاً للفصلين 146 و147 من القانون الجنائي، لدرجة إجرامه ولتنازل الزوجة عن شكايتها، استمراراً لرابطة الزوجية، مع جعل العقوبة المحكومة بها موقوفة التنفيذ في حقه لعدم سوابقه. وهذا القرار يعتبر من أوائل القرارات التي تطرقت لمفهوم الاغتصاب الزوجي رغم أن العقوبة التي اقر بها لم تكن في مستوى فظاعة الجرم المرتكب.

كما يواجه تجريم الاغتصاب الزوجي إشكالية التمثلات المجتمعية، حيث تعتبر شريحة كبيرة من المجتمع أن الجنس هو حق الزوج في العَلاقة الزوجة وان أخذه يكون بكل الطرق، فتكون تلك الطرق رادعا للزوجة كي لا ترفض العَلاقة الزوجية. كما أن البعض يعتبر أن تجريم الاغتصاب الزوجي قد يكون ورقة ضغط في يد المرأة لتقبل العَلاقة الجنسية وترفضها وفق أهوائها، لكن هذا الادعاء لا يجب الأخذ به باعتبار أن الطلاق يبقى حلا ينهي العَلاقة الزوجية في أقصى درجات تعنت الزوجة، وكذا وسيلة لحفظ حقوق الزوجين ووضع حد للضرر الذي يلحق أحدهما جراء هذه العَلاقة.

كما سبق وذكرنا، هذه التحديات التي تواجه معاقبة مرتكبي الاغتصاب الزوجي ليست عذرا للمشرع المغربي للتغاضي عن هذا الفعل، بل أن إيجاد نص قانون خاص رادع لهذا الجرم وتشديد العقوبة فيه ضرورة ملحة. فرغم صدور القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء الذي جاء بمجموعة من نصوص حمائية للمرأة التي تتعرض لظاهرة العنف، لكن هذا الأخير لم يتطرق للاغتصاب الزوجي، الشيء الذي نرى فيه فشلا للمشرع في حمايته للمرأة.

كما أن الدستور المغربي ضمن للمرأة عدة مبادئ حمائية تتجلى في المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات الواردة في هذا الأخير وفي الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، مبادئ وجب تعزيزها بتوفير حماية شاملة للمرأة ضد كل الأفعال التي تضر بها، وهو ما لم يتم تحقيقه لحد الآن.

وتعمل مؤسسات وجمعيات المجتمع المدني على التحسيس والدفاع عن النساء ضحايا العنف وذلك بإحداث مراكز استماع وإيواء لهن، وكذا قيادة حملة لتجريم هذا الفعل الماس بكرامة المرأة وسلامتها الجسدية باعتبارها نصف المجتمع، وعلى نفس المنوال تعمل مؤسسة الأطلس الكبير بتمويل من مبادرة الشراكة الشرق أوسطية من خلال مشروع التمكين الاقتصادي والاجتماعي للفئات الهشة (العيادة القانونية بكلية الحقوق فاس) على التحسيس ومساعدة النساء ضحايا هذا النوع من الجرائم عن طريق فتح ملفاتهن وتوجيههن بهدف التعافي من آثار الجرم المرتكب في حقهن وكذا المطالبة بتجريم هذا الفعل الجرمي.

في ختام مقالنا هذا، لا يسعنا إلا أن نُساءل المشرع المغربي مجددا، إلى متى سيبقى الاغتصاب الزوجي فوق القانون؟

Votre commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l’aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion /  Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l’aide de votre compte Twitter. Déconnexion /  Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l’aide de votre compte Facebook. Déconnexion /  Changer )

Connexion à %s